|
|||
|---|---|---|---|
|
عندما ارتجف محمد ﷺ الملائكة عالم غيبي مكنون، لا نُبصر منه إلا ما كشفه الوحي في كتاب الله، أو ما صح عن نبيه ﷺ ..عالمٌ لا ندرك كيفياته، ولا تقاس أبعاده بمقاييسنا الأرضية؛ فبيننا وبين تفاصيل خَلقهم حُجب من الغيب لا يخرقها إلا إشارة نبوية يسيرة، ويبقى ما وراء ذلك محجوباً عن مدارك البشر، مهما ارتقى علمهم أو اتسع خيالهم. ومن قلب هذا العالم المهيب، يبرز سيد الملائكة وأشرفهم .. #جبريل عليه السلام الروح الأمين الذي اؤتمن على أعظم رسالة، ليحملها إلى أعظم بَشر .. خُلق من نور، لكنه نور لا يشبه ضياء الشمس ولا لهب النار ولا بريق النجوم؛ إنه نور قدسي، لا تدركه الحواس، ولا تحكمه قوانين الفيزياء التي ندرسها، ولا تحده نهايات الأفق الجغرافي. تبدأ الحكاية من غار #حراء، في حضن #جبل_النور .. في تلك البرهة التي انقسم فيها الزمان إلى ما قبل وما بعد .. هناك والملتحف بالتحنث محمد ﷺ في خلوته، انشق صمت الغار عن نور ملأ الأرجاء، ليظهر جبريل عليه السلام بصورته الحقيقية التي خلقه الله عليها. وصفه المصطفى ﷺ بكلمات تهتز لها الروح (رأيته له ستمائة جناح .. قد سدَّ الأفق). الحقيقة الكبرى ـ أزعم ـ أن هذا المَلك النوراني قد استغرق الفضاء المشاهد كله بعظمته، فلم يترك للعين منفذاً تبصر فيه شيئاً سواه .. ومن هنا اعتصر الوجل قلب النبي ﷺ. رؤية جبريل عليه السلام كانت حدثاً هائلاً لم يمر به بشر من قبل، حتى امتلأ قلبه رهبة من عظمة الوحي .. فهرع إلى أمنا خديجة رضي الله عنها ينادي: (دثّروني .. دثّروني)؛ وهذا وهو خير خلق الله قلباً، وأثبتهم يقيناً .. فكيف لو رآه غيره؟ ولكن لماذا طلب ﷺ التغطية؟ وعلمياً عند التعرض لصدمة عظيمة أو موقف مفاجئ يحدث للجسم ارتعاش بسبب نشاط الجهاز العصبي، فيطلب الإنسان الدفء والغطاء. أين كان جبريل حين رآه النبيﷺ؟ تأمل في عظمة الخَلْق إذا كان ما بين شحمة أذن واحدٍ من حملة العرش وعاتقه مسيرة سبعمائة عام‼️، فكيف يكون سيد الملائكة؟ إن رؤية جبريل وهو يسد الأفق توحي بأنه كان في مقام من العلو والبعد لا يعلمه إلا الله، لكن الله كشف للبصيرة النبوية حجاب المسافات، ليرى محمد ﷺ سفير السماء في جلاله الحقيقي. لماذا تجلَّى جبريل بصورته الملائكية؟ جبريل عليه السلام كينونة من عالم آخر؛ حين يظهر تتوارى قوانين الدنيا خجلاً، وتتلاشى المعايير البشرية أمام فيض نوره الرباني .. لذا حين رآه النبي ﷺ، سقطت كل المعادلات العقلية الأرضية، وبقي يقين واحد يصدح هذا مَلك من عند الله جاء بالحق. هو الواسطة القدسية وحامل الوحي ومعلم الأنبياء، وقائد الملائكة في يوم #الفرقان، والمؤيد للحبيب ﷺ في كل خطوة .. هو الذي قال الله في حقه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ قوة، ومكانة، وطهارة، وأمانة .. جلال يليق بملك اختاره الله لأعظم مهمة في تاريخ الوجود. يا معشر المحبين .. إن جبريل عليه السلام هو آية من آيات الله الكبرى، ودليل ساطع على قدرة الخالق .. لولا أن الله ثبَّت فؤاد محمد ﷺ وربط على جأشه وهيأه لتلك الرؤية، لصُعق ﷺ كما صُعق أخوه موسى عليه السلام عندما تجلَّى ربه للجبل .. فأبصارنا وعقولنا في هذه الدنيا لم تُصمم لاحتمال جلال الملائكة في صورتهم الحقيقية .. ولله في خلقه شؤون. اللهم إني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، وأن محمداً رسولك وخليلك، وأن الملائكة حق، والقرآن حق، والجنة والنار حق، والقدر خيره وشره حق .. ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾. أ.د. عبدالله المسند 2026-1448 |
|||
|
|
|||