• 67 قراءة


  • 0 تعليق

أعظم طلب في التاريخ‼️
﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾‼️
رؤية الله .. بين نعيم الآخرة الموعود وقصور الجسد الدنيوي

في لحظة مهيبة وعظيمة وقف كليم الله موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، في الميقات ليطلب طلباً عظيماً لم يسبقه إليه أحد من الأنبياء‼️

لم يكن طلبه نابعاً عن شك أو اختبار حاشاه الله، بل كان طلب محب مؤمن، تاقت نفسه وتطلعت روحه لما هو أعظم من سماع الكلمات؛ أراد أن يرى المتكلم جل جلاله عياناً بياناً. موسى بكيانه البشري وعينه الفانية، وجوارحه المخلوقة من لحم ودم، يرغب في رؤية الخالق العظيم‼️

وفي مشهد مقارب يعكس ذات المحدودية البشرية، ورد في صحيح مسلم أن أبا ذر الغفاري سأل نبينا محمداً ﷺ: هل رأيت ربك؟ فأجاب بوضوح: (نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ) وفي رواية: (رَأَيْتُ نُورًا).

ولما قال موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾، جاء الرد الإلهي الحاسم والرحيم في آنٍ واحد: ﴿لَن تَرَانِي﴾ .. كان هذا المنع عين الرحمة والشفقة، وتبياناً لقصور الآلة البشرية .. فموسى عليه السلام، على جلالة قدره، يبقى بشراً؛ يحمل في عينيه شبكية مصممة فسيولوجياً لتبصر النور المنعكس المحدود، لا النور الذاتي المطلق.

فإذا كانت العين البشرية تعجز عن التحديق في قرص الشمس المخلوق، وتتلف أنسجتها وتحترق شبكيتها إن واجهت شعاع ليزر مُركز، فكيف لها أن تصمد أمام نور السماوات والأرض؟! 

إن الأجهزة البيولوجية في دار الدنيا غير مهيأة هندسياً ولا فسيولوجياً لاستقبال هذا القدر الهائل من التجلي والجلال الإلهي .. ولذا صدق الله تعالى: ﴿لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.

ولأن الله تعالى يعلم صدق رغبة موسى، أراد أن يقيم له دليلاً حسياً عملياً من واقع المشاهدة فقال له: ﴿وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ .. ولماذا الجبل؟ لأن الجبل مخلوق عظيم، صلب، وصلد، ورغم جموده الظاهري، إلا أنه في الحقيقة عبد مسبح يشترك معنا في أصل التكوين العنصري، بل هو أشد تماسكاً وقوة من ضعف اللحم والدم البشري .. الجبال تسبح بحمد ربها وتخشع له، وإن كنا لا نفقه تسبيحها.

ثم حانت اللحظة الحاسمة: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ .. بمجرد أن تجلى شيء يسير من النور الإلهي للجبل الراسي، لم يتحمل هذا المخلوق العظيم هول التجلي؛ فتفتت واندك وساخ في الأرض متحولاً إلى تراب .. فإذا كان الحجر الصلد لم يثبت، فكيف بالعين البشرية الرقيقة والقلب الهش الضعيف؟!

أمام هذا المشهد المهيب والعجيب والتاريخي حدثت ردة الفعل الفطرية لموسى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ .. سقط مغشياً عليه فاقداً للوعي .. وهذا الإغماء كان بحد ذاته نعمة عظمى وستراً من الله تعالى؛ فالعقل البشري والجهاز العصبي قد يتعرضان للتلف أو الجنون أمام هول ما حدث للجبل، فكانت الغيبوبة بمثابة فصل اضطراري للتيار لحماية حواس موسى وعقله من صدمة تفوق طاقته الاستيعابية.

🌱 ثمار وفوائد من هذا المشهد العظيم:
بناءً على هذا المشهد القرآني المهيب نستخلص العبر والفوائد التالية:

1. محدودية الحواس البشرية فالعين في الدنيا خُلقت لترى المخلوقات لا الخالق .. تركيبتها الفيزيائية والكيميائية (الشبكية، العدسة، العصب البصري) لها حد أقصى من الاحتمال تنهار بعده أمام الأنوار الساطعة، فكيف بنور خالق النور؟

2. المنع قد يكون عين الرحمة فقوله تعالى: ﴿لَن تَرَانِي﴾ هو حماية مطلقة لموسى .. فرؤية الله في الدنيا بهيئتنا الفسيولوجية الحالية تعني الفناء والموت المباشر لقصور آلة الاستقبال.

3. عبودية الكون .. فالكون بأسره يخضع لله تعالى .. الجبل الأصم يستجيب ويتأثر ويتصدع من خشية الله، مما يذكرنا بأن الجمادات تشاركنا العبودية والتسبيح: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾.

4. في الصدمات الكبرى يُعد الإغماء آلية دفاعية فطرية خلقها الله لحماية العقل والجهاز العصبي من الانهيار والجنون، ولإعادة ضبط الجسد.

5. الجائزة الكبرى في الآخرة هي رؤية الله عز وجل .. فلما كان الجسد البشري الدنيوي أضعف من أن يتحمل نور الله، ادخر الله رؤيته لتكون أعظم نعيم لأهل الجنة، حين يُنشئهم نشأة أخرى، ويبدلهم أجساداً وعيوناً لا تفنى، قادرة على التمتع بالنظر إلى وجهه الكريم.

6. قمة العبودية تتجلى في إدراك العجز أمام قدرة الله؛ ولذا عندما أفاق موسى عليه السلام قال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إقراراً بأن قدراته لا ترقى لهذا المقام في دار الفناء.

7. تجلى الله تعالى للجبل فقط .. ولو تجلى لكوكب الأرض برمته لانتهت الحياة على وجه البسيطة، واندكت الأرض ومن عليها للعلة ذاتها .. هذا والله أعلم.
دمتم لآيات الله متدبرين .. وفي خلقه متفكرين.
✍️ #فجريات_المسند

أ.د. عبدالله المسند

2026-1448 

 

  •   
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة 2021
جميع التعليقات والردود المطروحة لا تمثل رأي موقع
الدكتور عبد الله المسند ، بل تعبر عن رأي كاتبها
المتصفحون الان: 17
أنت الزائر رقم 647