|
|||
|---|---|---|---|
|
حين يُنهكك الطريق .. ويُقصيك التوقيع‼️ أزمة بيني وبين المدير‼️ 🎓 تخرجت عام 1410هـ من قسم #الجغرافيا بجامعة الإمام فرع #القصيم، تخرجتُ كما يتخرج كل شاب آنذاك: شهادة في اليد، وأمل في القلب، ورسالة تنتظر صاحبها أن يمضي نحوها بلا تردد. 🚗 وفي السنة الثالثة من تعييني معلماً، نُقلت إلى قرية تقع جنوب #عنيزة مسافة 150 كم تقريبًا، والطريق إليها مفرد غير مزدوج .. كان طريقي اليومي، الطريق الذي صُغت فيه أصعب الذكريات لا بالكلمات، بل بالكيلومترات .. والله المستعان. 🌅 كنتُ أستيقظ الفجر فأصلي، ثم أمتطي سيارتي كابريس موديل 82، لا يرافقني في رحلتي إلا صوت المحرك، ودعوات والديّ التي بإذن ربها تحفظني .. كان الطريق مملًا، والوقت يتمدد وكأنه نهار كامل .. فلا مُسلّي لي، فالراديو في الكابريس بتردد متوسط الموجة (AM) ولا يلتقط إلا إذاعات محدودة، ربما ثلاث إذاعات فقط مشوشة .. والهواجيس أمتع من الاستماع إليها .. وعلى الرغم من أني من هواة الراديو، إلا أن قنواتي المفضلة لا تشرع إلا ليلاً. 🏫 كنت المعلم الوحيد في هذه المدرسة الذي يقطع هذه المسافة اليومية منفردًا، أذهب فجرًا وأعود قبيل العصر،300 كم يوميًا على مدى عامين كاملين، لا غياب، لا تأخير، لا استئذان ولله الحمد. 🌍 في عامين قطعت ما يفوق دورتين كاملتين حول الكرة الأرضية (ما يزيد على 80 ألف كم) ومع ذلك لم يغب اسمي عن دفتر الحضور إلا مرة واحدة فقط، غلبني فيها النعاس على الطريق، فوقفت على جانبه، وأغمضت عيني نصف ساعة، ثم واصلت السير. 💪 لم أطلب إجازة مرضية رغم الإنهاك والحساسية والزكام، لم أتمارض، ولم أتكاسل، لأنني كنت أرى في عملي واجبًا شرعيًا ثم وطنيًا قبل أن يكون وظيفة حكومية. 📚 ثم جاءت أيام نهاية الفصل التي تسبق الاختبارات، وعادةً ما يتغيب الطلاب قُبيلها ليستعدوا للامتحانات، فلا تعليم ولا تدريس في الأيام الأخيرة (أسبوع ميت‼️). كنا – نحن المعلمين – نُداوم فقط من أجل التوقيع، لا من أجل التعليم، فطلبت من مديري – وقد كنت الوحيد الذي يقطع هذه الرحلة اليومية المنهكة والخطرة في طريق مفرد – أن يُعفيني من الحضور في آخر ثلاثة أيام على الأقل، لعلّي أستعيد فيها جسدي وجهدي، خاصة أنه لا عمل ولا طلاب .. فلماذا أحضر؟ 👔 نظر إليّ نظرة جامدة وقال: "هذا ليس من النظام في شيء .. تحضر مثلك مثل غيرك"‼️لم يُقدّر المسافة ولا الجهد ولا الالتزام، ولا السنتين التي قضيتها على طريق طويل وشاق .. رآني خانة في دفتر حضور فقط، لا إنسانًا له قصة ووفاء وتضحية. 🚙 حضرت اليوم الأول ووقّعت، ثم انصرفت إلى سيارتي أمام مبنى المدرسة الشعبي المستأجر والمتهالك، لأستمع إلى مادة صوتية عبر شريط (كاسيت) وأتناول إفطاري .. مرّ علي المدير وقال: "لماذا لا تلعب معنا طائرة لتمضية الوقت؟"‼️ شكرته واعتذرت. (الملعب كان برحة ترابية تطل على صحراء قاحلة). حتى حان وقت الانصراف، نزلت من السيارة ووقّعت للخروج، ثم انطلقت إلى منزلي لأقطع 150 كم حتى أصل لأهلي. 🕰️ وأديت واجب التوقيع، ولكن بقي يومان أو ثلاثة لا أعلم. أصريت على عدم الحضور، ففي الحضور هدر للوقت، والمال، والجهد، وتعريض للنفس لخطر الطريق. لم أحضر تلك الأيام الثلاثة. فلما حضرت يوم السبت، في أول يوم من الاختبارات، وأردت التوقيع، فاجأني المدير وفتح الدرج وقال: "اقرأ". فوجدت محضر غياب محررًا ضدي‼️ 📝 قال لي: "اكتب العذر". فقرأت المحضر وكتبت: تغيبت بدون عذر. قال: "سأرسلها هكذا للإدارة". قلت له: "فليكن". وكأنني كنت عالة على التعليم، لا رجلًا يقطع 300 كم يوميًا لخدمة جيل دون غياب أو تأخر. ⏳ اليوم، وبعد 35 عامًا، أقولها بكل هدوء: هناك فرق كبير بين من يرى اللوائح غاية، فيقسو بها على الموظفين، وبين من يفهم أن الأنظمة وضعت لخدمة الإنسان لا لإذلاله. 🧭 ذلك المدير – غفر الله له ولي – لم يرَ ما فعلته من جد وإخلاص وانضباط، لم يسمع صوت الحديد المتعب من الطريق، ولا نبض التعب في صدري، ولا شفقة الوالدين من طريقٍ منهكٍ وخطر. ❤️ لكنني تعلمت أن الجغرافيا لا تُقاس بالكيلومترات فقط، بل بما تحمله في قلبك من نوايا، وما تبذله من جهد، وما تلقاه من فهم أو جفاء. ⚖️ أقول: ليس من العدل أن يُساوى من مشى ألف ميلٍ في الشمس، بمن لم يخرج من ظلّه. غفر الله لنا جميعًا. 📜وفي الختام، وعندما تم إخلاء طرفي من المدرسة نهاية السنة الدراسية، فاجأني المدير بأن المحضر لم يُرفع للإدارة تقديرًا لي .. غفر الله لنا جميعًا. أ.د. عبدالله المسند 2026-1448 |
|||
|
|
|||