|
سردية العاشق الأول: حكايتي مع الكمبيوتر
في زمن لم تكن فيه كلمة كمبيوتر تمر في الأخبار إلا كما تمر الشهب في السماء،
كنت أتوقف عندها مندهشاً، أتأملها، وأتساءل عن هذا الكائن الغامض الذي يقال إنه يفكّر ويحسب ويكتب!
كنت أسمع عنها من بعيد، في المجلات أو عبر شذرات في نشرات إخبارية، وكل شيء فيَّ كان يتطلع لرؤيتها.
حتى جاء اليوم الذي تحول فيه الحلم إلى واقع.
كان ذلك في عام 1407هـ (1987م)، حين افتتحت شركة العالمية محلًا صغيرًا في شارع الضليعة بـ #عنيزة،
متجر صغير، لكنه بالنسبة لي كان بوابةً على المستقبل.
هناك رأيت أول جهاز كمبيوتر حقيقي.
لم أتردد لحظة .. اقتنيت واحدًا.
كان الجهاز غريب الشكل، لوحة مفاتيح ضخمة تحتوي في جوفها كل شيء:
المعالج، ومداخل الأشرطة، وحتى القلب الإلكتروني للجهاز.
لا شاشة مخصصة له، بل كنت أربطه بالتلفزيون الصغير في غرفتي عبر الأسلاك الثلاثة: الأحمر، الأصفر، الأبيض.
وما إن أضبط القنوات حتى ينبض ذاك العالم أمامي عوالم لم أرَ مثلها من قبل.
احتوى الجهاز على برامج للكتابة والرسم والعمليات الحسابية،
وبعض الأشرطة التي تُباع بأسعار خرافية في ذلك الوقت:
برنامج القرآن الكريم تخيل بنحو 700 ريال، ولعبة مسلية بنحو 500 ريال.
لكني لم أكن أراها غالية، بل تذاكر عبور إلى عالم آخر.
وضعت الجهاز في غرفتي الصغيرة في منزلنا بحي البديعة،
وجعلت منه نافذتي إلى الغد.
كتبت، ورسمت، وجربت أن أطبع، فاشتريت طابعة نقطية،
كان صوتها أشبه بمنشار يقطع لوحًا من حديد،
لكنها كانت تغني لي لحن التطور!
ثم واجهت معضلة: كيف أحفظ ملفاتي؟
لم يكن للجهاز ذاكرة داخلية،
فربطته بمسجل كاسيت صغير،
ووضعت شريطًا، وأعطيت أمر "save"،
فبدأ الجهاز يسجل عملي على الشريط،
وأدوّن في دفتر خاص مثلاً:
(الرسم البياني رقم 1 يبدأ من الثانية 132 حتى الدقيقة 4:21) وهكذا.
وإذا أردت استرجاعه، أعيد الشريط وأتابع عملي على شاشة التلفاز!
كانت معاناة جميلة،
لكن المشتهي — كما يقولون — يقطع المستوي،
أي يتحمل المشقة في سبيل ما يحب.
كان أقاربي يزورونني فقط ليروا هذا المخلوق العجيب.
يسألون بدهشة:
هل فعلاً تكتب وتطبع من دون قلم؟
هل هذا هو الكمبيوتر الذي يتحدثون عنه؟
وحين التحقت بجامعة الإمام – فرع #القصيم، في قسم #الجغرافيا،
كنت أستخدم الكمبيوتر في كتابة مقدمات البحوث،
وأرسم الخرائط ببرامج بدائية لكنها مبهرة في زمنها.
حتى بعض الأساتذة وقفوا مدهوشين أمام الخرائط المطبوعة بخطوط دقيقة،
كأنها خرجت من مطبعة عالمية!
لم يكن شغفاً عابراً، بل رسالة بدأت منذ تلك اللحظة ولم تنتهِ بعد.
تابعت التطوير،
حتى جاء عام 1413هـ (1993م)،
فاشتريت أول كمبيوتر مكتبي حقيقي من معارض العليا بـ #الرياض بمبلغٍ كبير آنذاك — ستة آلاف ريال.
دخلت زمن "السي دي" و "الفلوبي ديسك"،
زمن الموسوعات التفاعلية والبرامج الفلكية التي جعلتني أراقب النجوم من على شاشتي
بدلاً من انتظار الفصول في السماء.
كانت تلك النقلة بداية مرحلة جديدة:
القراءة، البحث، التحليل، التأليف،
كلها من خلف الشاشة.
واليوم، بعد أكثر من أربعين عامًا،
ما زلت أجلس خلف شاشةٍ أخرى ـ أكثر ذكاءً وعمقًا ـ
لكن الشغف لم يتغير.
ولم تكن المسألة قصة آلة،
بل قصة شاب آمن بالمستقبل، فمشى إليه بخطوات من شغف وإيمان.
أ.د. عبدالله المسند
2026-1448
|