• 34 قراءة


  • 0 تعليق

"هذه كوكبة الجوزاء يا أبي"‼️

حلمٌ بدأ من "باب ساير"

 

رأيتُ حلمًا قبل نحو أربعين عامًا .. كنت في الحلم طفلًا صغيرًا، ربما في الثامنة من عمري .. كنت أقف بجوار والدي ـ حفظه الله ـ في حيّنا القديم، باب ساير، ذاك الحي الذي كان مدخلًا لحكايات الطفولة وأيامها البسيطة الجميلة.

كان الوقت في الحلم نهارًا، ومع ذلك، رأيت السماء مبهرة بنجومها المتلألئة‼️وقفت بجانب أبي، واتجهت جهة الجنوب، ورفعت رأسي نحو السماء، ثم أشرت بإصبعي إلى مجموعة من النجوم، وقلت بحماس لا يناسب سني: "هذه كوكبة الجوزاء يا أبي!"

 

ابتسم أبي ولم يعلّق، لكنه شدّ على يدي برفق .. لم تكن تلك القبضة مجرد حنانٍ أبوي، بل كأنما كان يختم بها تلك اللحظة في قلبي وفي ذاكرته.

كنت أجهل حينها وحتى الآن السبب الذي دفعني لتحديد تلك الكوكبة بالذات، أو لِمَ شعرت بتلك الصلة الغريبة التي ربطتني بها.

لم يطل الحلم .. لكنني استيقظت منه بشعور غريب في صدري، وكأنني عشت شيئًا حقيقيًا. لم يكن ذلك الحلم عابرًا، بل كان أشبه برسالة مشفرة؛ أوقدت في داخلي شغفًا جديدًا، وولادةً لرؤية مختلفة للعالم.

بدأت أقرأ عن النجوم والكواكب والفلك، عن المجرات البعيدة وأسرار الكون. كنت ذلك الفتى الذي يجلس في زاوية الغرفة، محاطًا بكتب الكون والفضاء، أشعر أنني أقرب إلى حلمي رغم صغر سني، بل ذات مرة سألني أمين المكتبة قبل نحو 37 عاماً فقال: "وش قصتك مع كتب الفلك والوقت والتوقيت تستعيرها‼️".

 

مرّت الأيام، وكبرتُ .. لكنني لم أنسَ حلمي .. كنت أدرس بجد، وأضع السماء نصب عينيّ، بل وأراقب النجوم ليلياً ثلاث مرات بالتمام والكمال.

دخلت الجامعة، واخترت دراسة الجغرافيا، إذ رأيتها أقرب العلوم إلى الظواهر الطبيعية، ومنها الفلكية. لم يكن الطريق ممهّدًا، لكنني كنت أرى في كل عقبة خطوة تقربني من السماء، ومن "الجوزاء" التي أشرت إليها يومًا، مرت السنوات، ولم يغب عني الحلم.

 

ولست ممن يحرصون على تفسير الأحلام، لكن بعد نحو ثلاثين عامًا من تلك الرؤيا، زارني في منزلي ذات مساء الشيخ حمد الجطيلي رحمه الله، مفسر الأحلام الأشهر في #عنيزة.

فقررت أن أحكي له الحلم .. ابتسم الشيخ ابتسامة لطيفة .. عندها تنفستُ الصعداء. قال لي: "الحلم قد تحقق .. ووقع فيك‼️" سألته بدهشة: "كيف؟" فبدأ يفسّر ما ظهر له من الرؤيا، وما يعرفه عني، وقال شيئًا أسعدني وأثلج صدري...

 

واليوم، وأنا أقف متقاعدًا عن العمل، أسترجع تلك اللحظة الأولى .. لحظة الطفل الذي رفع عينيه نحو السماء، وأراد أن يكون جزءًا منها.

أشعر أنني قد اقتربت من "الجوزاء"، وأنني حققت جزءًا من الحلم الذي رأيته ذات ليلة في حينا القديم في باب ساير .. نعم كانت رؤيتي طفولية .. لكنها تحوّلت إلى طموح، ثم إلى مسيرة .. والله يُحسن الختام.

أ.د. عبدالله المسند

2026-1448 

  •   
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة 2021
جميع التعليقات والردود المطروحة لا تمثل رأي موقع
الدكتور عبد الله المسند ، بل تعبر عن رأي كاتبها
المتصفحون الان: 18
أنت الزائر رقم 645