|
|||
|---|---|---|---|
|
على عتبة الرعب: أسبوع في بيت الأمير المهجور‼️ في مطلع عام 1411هـ، وبعد تخرّجي من قسم الجغرافيا بفرع جامعة الإمام في القصيم، عُيّنتُ معلّمًا في قرية نائية تبعد عن عنيزة نحو 150كم. كنتُ شابًا في مقتبل العمر، حديث عهد بالحياة العملية، وحديث عهد بالزواج أيضًا .. وفي صدري أمل مشوب بالتفاؤل أن يكون التعيين مؤقتًا، عامًا واحدًا لا أكثر، ثم أعود لأكون أقرب لأهلي، وأعيش دفء المدينة. لكن... ليس كل ما يتمنّاه المرء يُدركه. انقضى العام الأول، وأنا أتردد يوميًا 300كم ذهابًا وإيابًا ولم يتغير شيء. فقررت في العام الثاني أن أستقر في القرية، وأن أنقل زوجتي وابنتي البكر (خُزامى) ـ التي كانت لا تزال رضيعة ـ لأبدأ حياة جديدة هناك. لكنني فوجئت أن القرية كانت طاردة بطبعها .. لم تكن معادية، لكنها ببساطة لا ترحّب بأمثالنا من أهل المدن .. لا شقق، لا بيوت، لا استراحات، لا أي شيء يُشبه السكن .. فقط بيوت شعبية قديمة متناثرة، تتنفس غبار الصحراء، وتئن من قِدَمها، وتشمّ فيها رائحة زمن غابر .. صرير الأبواب فيها كأنه أنين الأرواح، والرياح تمر في الممرات كأنها تتلو تعاويذ نسيها الزمان. بحثت عن مأوى حتى دلّني أحدهم على بيت قديم مهجور، كان لأمير القرية .. حين كان لكل قرية ومدينة أمير. دخلتُ البيت على مضض .. كان رثًا، متهالكًا، تصدع الجدران فيه كأنها أفواه مفتوحة تصرخ بصمت .. من بعض الزوايا كنت أرى الخارج من الداخل‼️ لكنه كان خياري الوحيد .. فاضطررت إلى تنظيفه وصيانته وترميمه بقدر ما أستطيع. جهّزته بما توفر، وسكنت فيه مع زوجتي وطفلتي .. لكن لم يكن سكنًا!! بل كان مغامرة أقرب للرعب. كانت أم عبدالرحمن، بحدسها الأنثوي الحاد، تشعر بشيء غير مريح في ذلك البيت؛ لم ترتح لموقعه على أطراف القرية، ولا لسكونه الموحش، ولا لظلامه الممتد حتى في وضح النهار. وفي الليلة الأولى، وبعد أن أُسدلت الشمس ستارها، طلبت مني زوجتي بل أصرّت ألا أذهب إلى المسجد لأداء صلاة المغرب، والعشاء، ولا حتى الفجر‼️ قالت: "صَلِّ بنا في البيت .. لا تتركني وحدي في هذا المكان المخيف. فأجبتها، وأذعنت لرغبتها .. وذكرتني بصلاة الخوف😉. مرت الأيام الأولى .. ذهبتُ إلى عملي في مدرستي التي تقع في قرية مجاورة لا تبعد أكثر من 10 دقائق. درّست يوم السبت، ثم يوم الأحد .. وحين عدتُ ظهر الأحد، كانت المفاجأة التي صدمتني ..😳 زوجتي جالسة على عتبة باب البيت، في الشارع الخالي من أرواح مشاهدة‼️، تحمل طفلتي خُزامى، ووجهها مصفرّ، وعيونها مليئة بالرعب‼️ ووضعت السلاح على عتبة المنزل!! ركضتُ نحوها وقلت: "ماذا حصل؟!" قالت وهي تبكي، وتضم طفلتها: ـ "قلت لك من قبل .. ولكنك لم تسمع لي‼️ .. هذا البيت مسكون .. فيه جنّ وعفاريت‼️ أنت لم تصدقني." تلعثمتُ .. سألتها بتوتر: ـ "كيف؟! ماذا رأيتِ؟" قالت: ـ "كنتُ ألهو مع خُزامى في زاوية غرفتي، وإذا بخطوات على سطح المنزل .. تمشي .. وتعود .. وتكررت! صارت تُطقطق وكأن أحدًا يمشي فوق رأسي🙄 فهرعتُ إلى عباءتي، أمسكتُ بنتي، وأخذتُ شنطتها الصغيرة، وسلاحك وخرجت أركض مذعورة. لا يوجد حولي أحد .. جلستُ في الشمس أنتظرك .. وأنا على يقين .. هذا البيت ليس لنا." حاولت تهدئتها بكل ما أوتيت من حجة، ولكن بنت الرياض كانت في قمة الهلع!! رفضت الدخول مجددًا، توسلت إليّ أن نعود إلى عنيزة الآن .. فورًا .. دون انتظار (في وقتها حتى الهواتف الأرضية لا توجد). فقلت: "دعينا نُكمل هذا الأسبوع فقط، وسنعود في نهاية دوام الأربعاء" فرفضت. فوجدت حلاً مؤقتًا .. قلت لها: "سآخذك كل صباح إلى زوجة زميلي في القرية نفسها، تقضين معها الوقت حتى أعود من الدوام، وفي الظهر أكون عندك .. وبهذا نمضي الأسبوع معًا." وافقت... على مضض. أكملنا الأسبوع، لا على استقرار .. بل على أعصاب مشدودة، وقلب مرتجف، ونوم متقطع .. وكل صوت ليلي كأنه صفير جنّي، وكل نسمة ليل كأنها همسة من مجهول. لكن.. رغم هذا كله، علمتني تلك الأيام السالفة أن بعض المحطات المرعبة في حياتك، هي من تصقلك، وتُشكِّل نواتك الداخلية. لم يكن ذلك الأسبوع مجرد تجربة سكنية فاشلة.. بل كان فصلًا دراميًا محفورًا في ذاكرتي .. ومنذ تلك اللحظة، أدركتُ أن الحياة لا تعلّمنا بالراحة فقط .. بل بالرعب أحيانًا‼️ وبعد 36 عامًا .. ها أنا أروي لكم فصلاً من تلك الذكريات.
أ.د. عبدالله المسند 2026-1448 |
|||
|
|
|||