• 25 قراءة


  • 0 تعليق

هل سيغفر لي ربي؟

عندما أغلقت السماعة في وجه أمي!!
"قصة حقيقية"

 

في عام 1421هـ الموافق للعام 2000م، صدر قرار ابتعاثي إلى #بريطانيا لإكمال مشواري العلمي ونيل درجة الدكتوراه في علم المناخ .. حينها لم يكن الابتعاث أمرًا معتادًا كما هو اليوم، بل كان نادرًا كندرة الغيث في فصل القيظ .. لم يُمنح إلا لقلة مختارة من المعيدين والمحاضرين، وكأنه وسام يُعلّق على الصدر، وشرف لا يُعطى إلا لثلة يُقال لهم: "أنتم سفراؤنا في الخارج".

 

أعددت عُدتي وجهزت حقيبتي في شهر أغسطس لعام 2000م، حيث سأسافر بمفردي لثلاثة أشهر، ثم تلحق بي عائلتي لاحقاً .. وقبل السفر بيوم استودعت الله أهلي، وهم يعلمون أني لا أسافر للنزهة، بل لغربة طويلة قد تمتد لخمس سنين أو تزيد؛ خمس سنين بلا أرض، ولا وطن.

 

وكان أصعب وداع ذاك الذي جرى في منزل والديّ بحي البديعة في #عنيزة

قلت لهما: غداً سأعود إليكما قبل أن أذهب إلى المطار للوداع الأخير.

لكن والدي حفظه الله، وكأن قلبه كان يقرأ ما سيأتي، قال لي بحزم مؤلم:
"
لعل هذا هو الوداع الأخير يا بُني .. لا داعي أن تأتي غداً .. لا تُزد ألم الفقد ألماً."

 

كلماته اخترقت صدري كسهم لا يخطئ .. ابتلعت وجعي، وانكسرت نفسي، ولم أجادله .. أحسست أن قلبي بدأ يضيق بالفعل.

 

تحركت من #القصيم إلى #الرياض، ومنها إلى صالة المغادرة .. وبينما كنت أنتظر الرحلة إلى #لندن، إذا بعمي عثمان – رحمه الله – يفاجئني بظهوره عند بوابة الصعود! لقد دبّر أمر سفره ليكون مفاجأة وعوناً وونساً في لحظاتي الأولى من الغربة.
رافقني في الرحلة، وكان وجوده بلسمًا يهدّئ اضطرابي .. ولا أنسى حين حلّقنا فوق #إيطاليا، أخرج بطاقته البنكية، واستخدم هاتف الطائرة النادر آنذاك، واتصل بأبي ليطمئنه على سلامتي.

 

وصلنا إلى مطار #هيثرو، وهناك افترقنا، إذ مضى إلى عمله في لندن، وبدأت خطواتي الأولى وحدي .. أقلّني رجل عربي بسيارته إلى مدينة ساحلية فاتنة تدعى توركي (Torquay) في الجنوب الغربي البريطاني، لألتحق بمعهد اللغة الإنجليزية بناءً على توصية صديقي الدكتور محمد العليان، الذي كان يدرس الماجستير في مدينة هل شمال شرق بريطانيا أنذاك.

 

استقبلتني العائلة البريطانية المستضيفة (Host Family) : ستيف وزوجه سوزان، بوجوه ودودة ولهجة لم أفهم بعضها، لكن كوب الشاي الدافئ كسر الحاجز الأول .. صعدت إلى غرفتي، رتبت أغراضي، خلوت بنفسي، ثم غرقت في نوم عميق لا يشبه أي نوم.

 

في اليوم التالي التحقت بمعهد اللغة، وفتحت حساباً في بنك باركليز، وأرسلت مباشرتي إلى الملحقية الثقافية في لندن. بدا أن كل شيء يسير بسلاسةحتى الآن!

 

لكن مع المساء تبدل الحال .. بدأ شيء غريب ينهش صدري: ضيق في النفس، غصة مجهولة، دمعة محتبسة، شعور يعتصر القلب ويمنع التنفس.

 

وعند السادسة مساءً، قدّمت العائلة المستضيفة العشاء: طبق سباغيتي شهي .. نزلت من غرفتي وجلست معهم، ستيف أمامي وسوزان إلى يميني، لكن يدي لم تمتد إلى الطعام .. لم أستطع أن أضع لقمة في فمي .. حتى شربة الماء استعصت عليّ.

سوزان ترمقني بعين متفحصة ثم سألتني:
"
هل أنت بخير يا عبدالله؟"

أدرت وجهي حتى لا ترى حمرة عيني، وأجبت باقتضاب:
"
نعم… نعم أنا بخير."

لكنني غادرت المائدة على عجل.

 

خرجت إلى الشارع مسرعاً، لا أريد أن يروا دموعي .. الهواء البارد في الخارج صفَع وجهي، لكن صدري ما زال يختنق .. سرت في الشارع بلا وجهة، أبحث عن نفسي الضائعة بين أمواج الغربة .. حدثت نفسي:  ليست المرة الأولى التي أسافر فيها، وليست الأولى التي أفارق فيها أهلي وأرضي، فلماذا أشعر بهذا الانكسار؟ ما الذي يجري لي يا رب؟

يا الله، ما أضعف الإنسان حين لا يجد سبب همه وغمه! لا حول ولا قوة إلا بالله.

 

كانت ليلة كئيبة، ووقت عصيب، روح تنزف ألماً، وأعين مفعمة بالدموع.

أهيم على وجهي في الشارع، لا ألقي بالاً لأحد .. المصاب جلل، والخطب أعظم مما يتصورون.
"
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .. اشرح لي صدري، واذهب عني ما بي من بأس."

 

تحركت غريزة الطفل في داخلي: فلم أجد ملجأً إلا أن أرفع شكواي .. إلى أمي، بعد الله، نعم .. لا دواء لوجعي إلا صوت أمي.

لم يكن معي جوال بريطاني في يومي الثاني، لكن كابينة الهاتف العمومي كانت قريبة .. طلبت رقم منزل أبي .. جاءني صوتها… صوت الجنة. رحمها الله منيرة – أنار الله قبرها وقدس روحها .. صوتها الحنون كأنه المصل للمريض، شهقت بصوتها، وشرقت هي بصوتي من الفرح..

ما إن سمعت صوتها، حتى انهار كل ما قاومت:


"عبدالله؟! الحمد لله على السلامة!"

قلت متقطعاً: "الله يسلمك."

قالت: "بشرنا عنك؟ بدأت الدراسة؟ كيف أكلك؟ كيف نومك؟"

لكن العبرات خنقتني .. أردت أن أصرخ: يا أمي تعبت! يا أمي، تعبت كثيراً!  لكن صوتي اختنق.

قالت: "ألو؟ عبدالله؟ تسمعني؟"
ولم أجب.
كررت: "عبدالله، هل تسمعني؟"
ولم أجب.

حاولت أن أتكلم، لكن الدموع سبقتني .. واللسان منعقد لم أستطع أن أكمل المكالمة.

قالت: "ألو، ألو، عبدالله!"
وأنا .. أغلقت السماعة.

أغلقت السماعة في وجه أمي .. ليس عقوقاً، بل خوفاً عليها من شهقتي ودمعتي وقلبي المنكسر.
أجل .. أغلقت السماعة في وجه أمي.

جلست عند شجرة قريبة، أسندت ظهري إلى جذعها، وتركت للدموع أن تحرر ما في صدري من ضيق .. انفجرت بالبكاء .. بكيت كما لم أبكِ من قبل .. بكيت كأني أودّع الحياة.

 

يا رب .. ما الذي يجري لي؟ أي عِلة أصابتني؟ وأي مرضٍ داهمني؟
وبعد أن أفرغت شيئاً من حزني، عدت إلى المنزل، وبينما كنت أصعد الدرج أسرعت إليّ سوزان قادمة من المطبخ، وهي تقول:
هل أنت بخير يا عبدالله؟
فأجبتها: نعم، بخير، لا تقلقي عليّ.

ثم صعدت إلى غرفتي، وأويت إلى سريري دون أن أتناول العشاء .. في ليلة حزينة كئيبة، لن أنساها ما حييت.

 

ومن صباح الغد انقشعت الغمّة، وزال ما كنت أحسّ به إلى حد كبير، ولله الحمد والمنة .. سارعت بالاتصال بصديقي الدكتور محمد العليان (طالب الماجستير آنذاك)، وزميلي الدكتور أحمد الشبعان (طالب الدكتوراه يومها)، وكانا يقيمان في مدينة هل (Hull) حدثتهما عما جرى لي ليلة البارحة، وما كاد يخرج من صدري من ضيق وبكاء، فقالا لي مطمئنين:

"لا تقلق.. هذه حالة اسمها (Home Sickness) أو الصدمة الحضارية (Cultural Shock) ، وستزول قريباً .. تعال إلينا في مدينة هل، نواسيك ونؤنسك."

 

قلت: "وكيف بي والدراسة؟"
قالا: "لا عليك، تحرك يوم الجمعة، وتكون عندنا السبت والأحد والاثنين، ثم تعود .. فالإثنين بنك هوليداي."

وهكذا رتب لي ستيف تذكرة قطار .. وبعد يوم دراسي في الجمعة الأولى، عدت إلى البيت، جمعت بعض حاجياتي، ولا أنسى عندما لحقت بي سوزان وهي تحمل "لانش بوكس" أعدّته لي .. كانت تعلم أن رحلتي طويلة، وأن لغتي ضعيفة، وغربتي قد تعيقني عن السؤال أو الطلب، فأعطتني عوناً .. بدا وكأنه عين الخيرة التي ترافق المسافر.

 

ركبت القطار لأول مرة من نورج إلى هل .. وفي الطريق كانت بعض التبديلات في محطات متعددة .. استعنت بخريطة ورق وقلم فسفوري لأتابع المسار مع تحرك القطار، في زمن لم يكن فيه GPS ولا خرائط قوقل، ولا جوالات ذكية، فضلاً عن الآيباد.

 

وصلت أخيراً إلى مدينة هل، حيث استقبلني الشبعان والعليان استقبالاً يفيض حرارة ووداً ومحبة .. والله لقد شهقت حين رأيتهما، كأني وجدت ماءً بارداً في صحراء قاحلة! وفي تلك الليلة، وضُعت أمامي الكبسة والمطازيز، فأكلتُهما بنهم كأني لم أتذوق طعاماً منذ عام.

مكثت نحو ثلاثة أيام في هل، ضيفاً في بيت أخي أحمد الشبعان، رجل الأدب والمرح والكرم والعطاء .. شعرت أن الغربة بدأت تذوب شيئاً فشيئاً، وأن النفس بدأت تتعافى، وأن للحياة في الغربة وجهاً يمكن احتماله بل ومحبته أحياناً.

 

عاتبت نفسي كثيراً!!
لماذا لم يخبرني أحد عن هذا المرض؟
لماذا لم يحذرني أحد من هذا الوجع؟

الهوم سيك .. ذلك الوحش الخفي .. لا يطرق باب السائح، بل يزور الغريب الذي يقتلع جذوره من تربة نشأ فيها، ويحاول أن يغرسها في أرض غريبة.
لا يظهر إلا حين تنفرد بك غربتك، وتخلو من كل مألوف.

إنه ليس مرضاً نفسياً دائماً، بل حالة عاطفية مؤقتة، ناتجة عن الانفصال المفاجئ عن البيئة التي نشأت فيها .. يظهر على هيئة ضيق، وحدة، بكاء، وحزن عميق، وشوق لا يُحتمل.

لقد عايشت أعراضه كلها:

  • حزن بلا سبب ظاهر.
  • فقدان الشهية.
  • رغبة ملحّة في البكاء.
  • شعور قاسٍ بالذنب تجاه فراق الأهل.

 

لقد علّمتني الغربة أن "الهوم سيك" ليس مرضاً عضويّاً، بل وحشاً خفياً يسكن في صدر المغترب، لا يُرى ولا يُشخّص، ولكنه ينهش الروح حتى يذيبها. ومع ذلك، سرعان ما ينحسر ببركة الدعاء، وصحبة صالحة، وانشغال بالعلم.

 

الصدمة الحضارية تصيب بعض المبتعثين دون بعض .. وأذكر في الوقت نفسه كان صديق لي مبتعثاً في شرق بريطانيا، وأول ليلة له في مدينة نوريج سكن في فندق صغير تديره امرأة بريطانية من أصول إيرانية .. نزل عليه هذا الجاثوم فجأة، جاثوم الغربة الذي يضغط الصدر ويكتم الأنفاس .. شعر كأن جدران الغرفة تضيق عليه، وأن البعد عن أهله ووطنه بحر مظلم لا شاطئ له.

 

حاول أن يلهي نفسه، فخرج إلى اللوبي الصغير علّه يجد متنفساً، ولكن المصاب أعظم والضيق قد تمكن من صدره .. جلس مطأطئ الرأس، تتقاذفه أمواج الوحشة والغربة .. هناك في زاوية الاستقبال، كانت المرأة الإيرانية تراقبه بعين خفية، رأت ملامح الانكسار ترتسم على وجهه .. اقتربت منه بخطوات هادئة وسألته: ما بك؟ فما استطاع أن يملك نفسه، وقال بصوت متهدج: لا أعلم ما أصابني بالضبط، ولكني حننت إلى أهلي… إلى وطني… إلى بلدي.

 

فانفجرت دموعه انسكاباً، واهتز كيانه بالأنين .. عندها، لم تتمالك المرأة نفسها، فبكت هي الأخرى وقالت: حتى أنا تركت أهلي في إيران .. حتى أنا أذوق ما تذوق من لوعة الغربة ومرارة الفقد .. بكت وبكى، وأصبح اللوبي الصغير مسرحاً لفاجعة إنسانية مشتركة، حيث التقت غربةُ شابٍ مسلمٍ عربيٍ على أرضٍ باردة، مع غربةِ امرأةٍ شرقية اقتلعها الدهر من جذورها.

وهكذا صارت الغربة جسراً من الدموع جمع بين قلبين لم يجتمعا على لغةٍ أو وطن، لكن جمعهما الألم الواحد، والمصاب المشترك.

اللهم اجعل دعائي لأمي برًّا لا ينقطع، وسلامي عليها في سجودي وصمتي وتنهدي .. اللهم ارحم أمي كما رحمتني.

أ.د. عبدالله المسند

2026-1448 

  •   
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة 2021
جميع التعليقات والردود المطروحة لا تمثل رأي موقع
الدكتور عبد الله المسند ، بل تعبر عن رأي كاتبها
المتصفحون الان: 18
أنت الزائر رقم 2,726