• 34 قراءة


  • 0 تعليق

📺عذرًا جامعة الإمام .. فقد خالفتُ النظام‼️

"بين وسادة الأخبار وظلال الجدار"

 

في عام 1406هـ (1986م)، وبينما كان سكن جامعة الإمام في #الرياض ما يزال يتنفس عبر رئة المباني المستأجرة، التحقتُ بقسم #الجغرافيا، وكان مقره في حي #الملز وبالتحديد شارع #الظهران.

 

 ولأول مرة أغترب عن أهلي وبلدتي، فقد سكنت في إسكان الجامعة، في برج سكني يتكون من 10 طوابق على ما أظن، لطلاب كلية العلوم الاجتماعية .. لم يكن المبنى فخمًا، ولا الغرفة رحبة .. بل ضيقة (5×5م)، أشاركها مع زميلين .. لا صالة، لا تلفاز، ونافذة شبه مغلقة فنصفها السفلي مغلق، وحمام مشترك مع أكثر من غرفة في نهاية الممر..

 ومع ذلك، كنتُ أشعر أن العالم كله يسكنني، لأنني ببساطة كنت أحمله في رأسي.

 

علاقتي بالعالم الخارجي بدأت في وقت مبكر .. منذ الصف السادس الابتدائي.

 

 كنت أركب دراجتي الصغيرة (مقاس 20)، وأذهب يوماً في الأسبوع إلى المكتبة الأهلية في شارع الملك فيصل بـ #عنيزة، لأشتري جريدة "#الجزيرة" بنصف ريال، أقرأها بنهم طفلٍ فضولي، وأضعها في كرتون بجانب مجلات "ميكي ماوس" و"سعد" و "سمير"، لأبني أول مكتبة شخصية لي.

 

وفي المرحلة الثانوية، صارت نشرة التاسعة مساءً من القناة #السعودية الأولى ركنًا راسخًا في يومي .. أتابعها مع والدي حفظه الله، وأرتب يوم الجمعة لألحق ببرنامج "العالم في أسبوع"، الذي كان يختزل أخبار الدنيا في ثلاثين دقيقة مصوّرة ومشوقة.

ثم جاءت الصدمة‼️

 

دخلت الجامعة وسكنت في إسكانها في الرياض .. واكتشفت أن "التلفاز ممنوع"  في سكن الطلاب‼️

 

 كيف يعيش الجغرافي بلا نشرة؟ بلا صورة؟ بلا صوت يعيد ترتيب فوضى العالم أمام عينيه؟

 أن يُحرم الإنسان من نافذته إلى الأحداث العالمية .. تلك كانت خنقة‼️

لم أستسلم ..😠

 اشتريت تلفازًا صغيرًا (10 بوصات) أبيض وأسود 📺، وأخفيته خلف الدولاب، في كرتون ملتصق بالجدار بحيث لا يكتشفه أحد😉

 

 وعند التاسعة مساءً، كنت أُشغله خلسة، أضع السماعة في أذني، وأُبقي المصباح مضاءً كذريعة للضوء المنبعث من الشاشة، حتى لا يُثار فضول زملائي.

 

وحين يطالبني أحدهم بإطفاء نور الغرفة لنخلد للنوم ـ خاصة أننا في فصل الشتاء ننام في وقت مبكرـ أتحجج بأنني أقرأ، بينما الحقيقة أنني أقرأ "العالم" من شاشة صغيرة، أبيض وأسود، كما يقرأ الطيار عدادات الطائرة قبل الإقلاع‼️

 

ثم جاءتني هدية التقنية:

 تلفاز "سوني" صغير، بحجم الكف احتفظ به حتى الآن (انظر صورته المرفقة)، اقتنيته بنحو ألف ريال – ثروة لطالب جامعي آنذاك – فقط لأفتح نافذة بحجم كف، تكفي لتحليق العقل في فضاءات الأخبار.

 

كنت أنام على وسادة لا تطفئها أنوار الغرفة .. بل تُضيء حين ينام الجميع ..  كانت وسادة تُسعفني بأخبار العالم، لا برغد النوم، وترافقني كما يرافق القمر نافذة عاشق.

 

لم تكن تلك مجرد أيام جامعية .. بل كانت بداية عمر، وولادة شغف، وتمرد طالب لا يحتمل الانفصال عن العالم.

 أنا الطالب الذي عشق الجغرافيا، وسكنته الأخبار، قبل أن يسكن العاصمة.

 

واليوم.. وبعد أكثر من أربعين عامًا، أروي قصتي هذه لأول مرة، قصة خرجت من خلف وسادة صغيرة .. إلى فضاء رقمي لا يُطفأ فيه النور ولا تُسدل فيه الستائر.

فأين كنا (1406) .. وكيف أصبحنا (1446)؟!

 والله المستعان.

 

عذرًا إدارة الإسكان بجامعة الإمام .. فقد خالفتُ النظام، لأنني كنت بحاجة للعالم لا للنوم.

أ.د. عبدالله المسند

2026-1448 

  •   
التعليقات
جميع الحقوق محفوظة 2021
جميع التعليقات والردود المطروحة لا تمثل رأي موقع
الدكتور عبد الله المسند ، بل تعبر عن رأي كاتبها
المتصفحون الان: 19
أنت الزائر رقم 641